الأربعاء، 29 أغسطس 2012

" ان فيها ملكا لا يُظلم عنده أحد و عادلا فى حكمه كريماً فى خلقه "


 " ان فيها ملكا لا يُظلم عنده أحد و عادلا فى حكمه كريماً فى خلقه  "

لقد مرمعنا في دروس السيرة اثناء الهجرة الى الحبشة الاولى و الثانية ، وكيف عامل النجاشي ملك الحبشة المسلمين في ذلك الوقت بكل الخير و الرحمة موفرا لهم الملاذ الامن ، الا انني الان سوف انظر الى الامر من منظور التفكير الموضوعي في قرار الهجرة وموقف النجاشي من المسلمين و كيف رد عمرو بن العاص سفير قريش خائبا و قد كان لم يسلم بعد .
بعد قرار رسول الله صلى الله عليه وسلم بهجرة المسلمين الى الحبشة و كان في هذه الهجرة " الهجرة الثانية الى الحبشة " حوالي اثنان و ثمانين رجلا و ثمانية عشرة امرة ،والذي يعد قرارا استراتيجيا من القائد رسول الله ،حيث أن معطيات الاحداث في تلك المرحلة تشير الى ان الدعوة لا تستطيع حماية ابنائها كما ان المسلمين  يقع عليهم ظلم شديد و تعذيب عظيم ، مع العلم ان الحبشة في الهجرة الاولى اكرموا المسلمين حيث كان ملكهم عادلا و مضيافا ... وهنا نرى حكمة القائد و موضوعيته في التفكير فهو قد تجرد من كل الافكار التي ربما ينادي بها البعض ،فهل يفر المسلمين من قدر الله في مكة و يتركوا  اهلهم وبلادهم و اموالهم ،ليذهبوا الى بلد بعيد عنهم الاف الكيلومترات ؟. الا ان الموضوعية في التفكير تلزم الرسول محمد صلى الله عليه و سلم بان يحافظ على المسلمين من الاذى و يوجد لهم ملاذ امن ولدعوتهم ليكونوا اقوى و اقدر على مقاومة الظلم الواقع عليهم .

الحمد لله وصل المسلمون الى ارض الحبشة ، رغم كل محاولات المنع التي اتخذتها قريش  من زيادة التضيق على المسلمين  ومراقبة مداخل و مخارج مكة  . وفي نهاية الامر قرروا ان يرسلو سفيرا لهم الى ملك الحبشة ليرد إليهم المهاجرين و قد اعتمدوا في ذلك ما لديهم من علاقة طيبة تربطهم بملك وأهل  الحبشة و على مكانهتم  لديهم ،الا انهم لم يفكروا بموضوعية بالموضوع فقد التبس عليهم الامر ، و اخذتهم افة التفكير الموضوعي في اتباع الهوى  فقد تعصبوا لانفسهم ولالهتم ،وبالغوا في ظلم المسلمين والتضيق عليهم كما انهم ارادوا ان يعمموا ذلك على كل من يعرفونه .
وهذا يعطينا مؤشر على سوء نوايا قريش ، وشدة معاداتها للاسلام و المسلمين .
وصل وفد قريش الى الحبشة ، وهنا ذهب عمرو بن العاص الى جميع الوزراء ورجال الدين وكبار القوم ليهدي اليهم هداياه ثم يستميلهم اليه في مطلبه عند النجاشي ، ثم دخل على النجاشي بالهدايا العظيمة وجمعهما  لقاءا حميما وقويا بين الصديقين . وبعد ما اطمأن عمروبن العاص للاجواء بدء يعرض امره ؛
فقال " ايها الملك ، انه قد ضوى الى بلدك غلمان تفهاء ، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدينٍ ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت ، وقد بعثَنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم؛ فهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، وعاتبوهم فيه ". و بعد ما انتهى من كلامه قال البطارقة :-" صدقا أيها الملك، فأسلمهم إليهما، فليرداهم إلى قومهم وبلادهم".
وهنا نرى لماذا سمي عمروبن العاص بداهية العرب ، لقد احسن في القول و اوجز وبعث برسائله الى الملك وسعى بحسن استخدامه للغة الى ملء صدر الملك على المسلمين ، كما انه جعل جموع حاشية الملك تؤيده بما بذل من هدايا و عطايا لهم ليدعم افكاره بالشهرة و الانتشار و هنا ليصعب الامر على الملك الذي اصبح عنده راي وله من يدعمه و فيه من البلاغة ما فيه ...
رغم هذه الاجواء و قوة الحجة وحمامية العلاقة بينه وبين وفد قريش ، الا ان  ملك الحبشة غلب الموضوعة على العصبية و الانبهار بقوة حجة طرف على اخر و من هنا قال لعمرو :- " لا والله، لا أسلمهم إليهما، ولا يُكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوَهم فأسألهم مما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولون أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني. " .... وارسل في طلبهم .
اتفق المسلمون على ان يتراسهم جعفر بن ابي طالب رضى الله عنه و ان يتحدث باسمهم ، فهو من شرفاء مكة من بني هاشم و انه رئيس الوفد وقد التقى من قبل بالنجاشي ويفهم لغته ،كما انه خطيب مفوه ويمتاز بالبلاغة و الفصاحة و طلاقة اللسان .
وبدء الاجتماع بحضور الملك و حاشيته و عمروبن العاص و عبد الله بن ابي الربيعة وجعفربن ابي طالب و المسلمون وبدء الحديث من طرف النجاشي قائلا- " ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من هذه الأمم؟! "
فكان خطاب جعفر بن ابي طالب رضى الله عنه :- "أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف ، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام... فصدقناه، وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا ، فعدَا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث ، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألاَّ نظلم عندك أيها الملك "
من هذا الخطاب نرى كيف تمكن سيدنا جعفر من ارسال رسائل واضحة و موازية للموقف الذي صنعه عمرو بن العاص و البطارقة و حاشية الملك .
وعندما سال الملك جعفر عن شئ من هذا الدين اختار صدر سورة مريم. وهي التي تتحدث عن سيدنا عيسى و مريم ويحيى و زكريا عليهم وعلى نبينا افضل الصلاة و السلام ، وهذا توفيق من الله العلي العظيم . حيث بكى النجاشي و حاشيته من عذب القول . وهنا اخذ النجاشي القرار :- " إن هذا والذي جاء به موسى (وفي رواية: عيسى) ليخرج من مشكاة واحدة "  وقال لعمرو :- " انطلقا، فوالله لا أسلمهم إليكم أبدًا "
لقد كان لهذا القرار من الملك مصداقا لتفكير موضوعي متكامل بعيد عن التعصب والاهلية و متجرد من الهوى ، متثبت من الادلة و لاراهين متفتح العقل ، حاد البصر و البصيرة ، لقد تمكن من قدرته على السماع لجميع الاطراف من بناء حكم سليم على هذه الاحداث .
الا ان عمرو بن العاص داهية العرب لم يستسلم و طلب مواجه اخرى في يوم اخر و هنا اراد من المسلمين ان يسمعوه ما يقولون في سيدنا عيسى  ، فطلب النجاشي المسلمين و قال لهم :- " ما تقولون في عيسى بن مريم؟ " فكان رد سيدنا جعفر موجزا وملخصا لعقيدتنا في شان سيدنل عيسى بن مريم عليه السلام :- " هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول "
وهكذا انتهى الامر وكان لقرارات النجاشي الاثر الاعظم على حال المسلمين و عليه فقد تجرد النجاشي من كل المسلمات و العادات و الافكار السائدة و تقبل حجة المسلمين على حجة وفد قريش و كان لقرارته استضافة المسلمين وقطع العلاقات مع اهل مكة برد هداياهم عليهم واسلامه بالسر .
ولقد تعلمت من اعادة قراءتي  لهذه القصة باستخدام اسلوب التفكير الموضوعي و تخيلي لدور الملك كم كان من الصعب ان ياخذ المسلمين محل قدم في الحبشة لولا ان كان ملكها يتمتع بالتفكير الموضوعي العالي والحياد الكبير ، فهو من موقعه لم يبالي بعلاقاته مع اهل مكة ولا بمن حوله من رجال الدين و الحاشية ، ولم يرفض فكرة الاسلام مع انها جديدة وذا ت ابعاد عقائدية جديدة و منافسة لما يعتقد ويؤمن به ..." رحم الله النجاشي ملك الحبشة "
وقد ادركت كم كان معنى كلام رسول  الله صلى الله عليه وسلم عظيم عندما قال "  ان فيها ملكا لا يُظلم عندة أحد و عادلا فى حكمه كريماً فى خلقه" ، اي انه يتمتع باهم صفات التفكير الموضوعي العادل الذي يتطلب منه ان يكون حياديا متجردا من الهوى و العادات والمسلمات التي لا برهان لها ، اما كرم الخلق فهي سعة الصدر التي تسمح له بتقبل الاخر و السماع له و عدم الحكم عليه غيابيا .
وفي الختام ، واننا لو فرضنا ان الملك " النجاشي " لم يتمتع بالتفكير الموضوعي لما كان ليتخذ هذه القرارت العظيمة فلربما قام بتسليم المسلمين الى اهل مكة و اراح راسه ، و في احسن الظروف كان بامكانه ان يحمي المسلمين  وان يبقى على دينه الا انه رفض تسليم المسلمين وأسلم سرا . فسبحان من هداه لما يحب ويرضى . سبحان الله .
المراجع 
د. راغب السرجاني

م.مهران قوزح 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق